أبي منصور الماتريدي
136
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وأجاب لمن كان نسبه إلى الجنون ؛ لما خاطر بروحه ونفسه بقوله « 1 » : إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ [ سبأ : 46 ] ، فأخبر أن الذي حمله على المخاطرة بروحه وجسده هو أنه مأمور بالتبليغ والنذارة « 2 » ، فهو يقوم بما أمر ، وإن أدى ذلك إلى إتلاف النفس ، ثم - بحمد الله تعالى - لم يتهيأ للفراعنة أن يقتلوه ولا تمكنوا من المكر به ، بل أظفره الله تعالى عليهم حتى قتلهم ورد كيدهم في نحورهم ؛ فصار الوجه الذي استدلوا به على جنونه آية رسالته ودلالة نبوته ، والله الهادي . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ . قال الحسن : أي : لا يمن عليك المنة التي تؤذيك ، ولكن يمن عليك منة رحمة وكرامة ، والمن المؤذي كما ذكر - عزّ وجل - : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] ، فليس لأحد عليك منة تؤذيك . وقال بعضهم « 3 » : غَيْرَ مَمْنُونٍ أي : غير مقطوع ، أي : إن أجرك غير مقدر بالأعمال حتى يجري بقدر الأعمال ، فإذا انقطعت الأعمال انقطع الأجر وانقرض ، بل يتتابع عليك ويدر ، يقال في الكلام : مننت الحبل ، أي « 4 » : قطعته . وقال بعضهم « 5 » : غَيْرَ مَمْنُونٍ أي : غير محسوب ، أي : لا نحسب عليك النعم ؛ فتفنى بفناء الحساب . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . خلقه العظيم : هو القرآن ، ومعناه ما أدبه القرآن ؛ وذلك كقوله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] ؛ وكقوله : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ [ المؤمنون : 96 ] ؛ وكقوله : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [ الحجر : 88 ] ، فأخذه بالعفو وأمره بالعرف ، وإعراضه عن الجاهلين ، ودفعه السيئة بالتي هي أحسن ، وخفضه الجناح للمؤمنين - من أعظم الخلق . وتخلق بهذا كله بما أدبه القرآن ، والله أعلم . وقال بعضهم « 6 » : الخلق العظيم : هو الإسلام ، والإسلام هو الاستسلام والانقياد لأمر الله تعالى ، وقد استسلم لذلك ، وسلم الناس من لسانه ويده ، ومن كل أنواع الأذى ، وذلك من أعظم الخلق .
--> ( 1 ) في ب : وقال . ( 2 ) في ب : والإنذار . ( 3 ) انظر تفسير ابن جرير ( 12 / 179 ) ( 4 ) في ب : إذا . ( 5 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير عنه ( 34555 ) . ( 6 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 34557 ) .